ابن حزم
33
رسائل ابن حزم الأندلسي
واجتمع إلى هذين المصدرين الفلسفي والطبي - في تصور مفهوم الحب مصدر ثالث هو المصدر التنجيمي الذي رأينا بوادره عند الموبذ قاضي المجوس ، وقد خضع ابن داود أيضاً لهذا المصدر ( 1 ) وقرنه بالمصدرين الآخرين ، كما فعل شيئاً شبيهاً بذلك إخوان الصفا ( 2 ) وإن لم يكن تحديد المؤثرات النجومية متفقاً عليه بينهما . فإذا انتهينا إلى أواخر القرن الرابع وجدنا " تصعيداً " متعمداً لكل هذه النظرات لدى أبن سينا الذي يرى أن من شأن العاقل " الولوع بالمنظر الحسن من الناس " ولكن إن كان هذا الولوع لذة حيوانية فهو مستحق للوم ( مثل الفرقة الزانية والمتلوطة ) ( 3 ) ، ولهذا تستبعد لذة المباضعة ، فأما المعانقة والتقبيل فإن كان الغرض منهما الاتحاد فليس بمنكر ( وهذا هو الظرف ) ، ولكن العشق الحقيقي هو عشق الخير المطلق عشقاً غريزياً ، أي قبول تجليه على الحقيقة ، وتجليه هو حقيقة ذاته ، والنفوس الملكية عاقلة له وعاشقة ومتشبهة بما تعقله منه أبداً ( 4 ) . وهكذا ينتهي أبن سينا إلى ما انتهى إليه إخوان الصفا ، دون أن ندري يقيناً أيهما كان قبل الآخر ، ويكون المتفلسفة قد وصلوا إلى فكرة " الاتحاد " في الحب ، وكان وصولهم إلى ذلك قبل المتصوفة ، على الأرجح . غير أن القرن الثالث شهد مفهوماً رابعاً للحب ( إلى جانب المفهوم الفلسفي والطبي والنجومي ) ؛ وهذا المفهوم صوفي أيضاً ، لكنه لم يبلغ بعد درجة " الاتحاد " ولا ندري حقيقة من هو الذي قال به لأنه فريد في منزعه وهو يتلخص في أن الحب - على المستوى الإنساني - امتحان لكي يتلقن المحب درساً في طاعة محبوبه ويدرك معنى المشقة في مخالفته ؛ وهذا
--> ( 1 ) الزهرة 1 : 16 . ( 2 ) رسائل 3 : 273 . ( 3 ) أبن سينا : رسالة في ماهية العشق ( تحقيق وترجمة أحمد آتش ، أستانبول 1953 ) ص : 18 . ( 4 ) رسالة العشق : 25 - 29 .